الثلاثاء، 3 يونيو، 2014

نسف إسطورة استباحة يزيد للمدينة


خروج اهل المدينة 


لا يمكن بأي حال من الأحوال تصنيف معارضة أهل المدينة و ابن الزبير على أنها معارضتان مختلفتان، و ذلك لأن القواسم المشتركة بين المعارضتين تكاد تكون واحدة.
لقد أدى تصلب ابن الزبير و فشل يزيد في إقناعه و تساهله معه، كل ذلك أدى إلى ظهور شعور قوي في الحجاز عموماً و في المدينة خصوصاً، بأن يزيد ليس في مستوى المسؤولية. و كان للإشاعة التي انتشرت عن شربه للخمر و ما سوى ذلك أثر كبير في تغذية هذا الشعور. مما دفع أهل المدينة إلى المناداة بسقوطه. و من ثم نستطيع القول: إن ثورة أهل المدينة و معارضتهم للحكم الأموي و خلافة يزيد بن معاوية، ما هي إلا امتداد طبيعي لمعارضة ابن الزبير التي بدأها في مكة. لكنها لم تعد كونها حماس ديني اشأبّ بروح العاطفة، دون أن يتخذ نظاماً معيناً يحدد من خلاله أبعاد هذه المعارضة و الطرق الكفيلة لنجاحها.
فلما قام معاوية t بأخذ البيعة ليزيد تألّم ذلك الكثير من أبناء الصحابة لإحساسهم بانتهاء العهد الراشدي المبني على الشورى. و عندما قتل الحسين t بتلك الصورة الشنيعة، أحسَّ الكثير من أبناء الصحابة بحجم الاستبداد و التسلط الذي بدأت تمارسه الدولة. لقد كانت هذه عوامل مساعدة جعلت النفوس مهيأة للمعارضة، حينما وجدت عوامل ظاهرة تغذي ذلك الشعور المتولد من أخطاء السياسة الأموية.
ثم بعد ذلك قام وفد من أهل المدينة بزيارة يزيد بن معاوية[1]. فقدمو على يزيد، فلم يسألو حاجة إلا قضاها. و كان في هذا الوفد عبد الله بن حنظلة و معه ثمانية من أبنائه، فأعطاه يزيد مئة ألف درهم و أعطى لكل واحد من أبنائه عشرة آلاف درهم سوى كسوتهم و حملانهم[2]. و قد أجاز الوفد جميعهم، و من العجيب حقاً بعد هذا كله أنهم رجعو ذامِّين له، مجمعين على خلعه. فلما رجعو إلى المدينة أظهرو شتم يزيد و البراءة منه و خلعه[3].
لكنه لم يثبت لدينا بأسانيد صحيحة الأمور التي لاحظها الوفد على يزيد، و من ثم كانت هي الدافعة لخلع يزيد و إخراج بني أمية. و هذه الروايات الضعيفة التي تدين يزيد بن معاوية و تذكره بأمور عظيمة، لا يمكن أن نأخذ بها على الرغم من ضعفها، و ذلك لأن الأمر يتعلق بعدالة خليفة المسلمين، فإذا كان التحري وعدالة الشهود أساسية في إدانة أي شخص فما بالك بأمير المؤمنين في زمانه؟ و لكننا نستطيع أن نقرر حقيقة ثابتة و هي أن الدافع الذي دفع أهل المدينة للخروج على يزيد: هو أخذهم تصور عن يزيد بأنه قليل الدين. و لكن ما هي حدود قلة الدين، هل هي معاصي و ذنوب صغيرة، أم كبائر كبيرة أو كفر صريح؟ و لعل أشهر هذه التهم هي اتهامه بشرب الخمر. و هذا العمل لا يمكن أن يخفى على أهل الشام و الذين يوجد بينهم الصحابة و التابعون و العلماء و الفقهاء. فلماذا لم ينقل إلينا شاهد واحد من أهل الشام على أن يزيد ارتكب مثل هذه القبائح رغم أنهم أكثر الناس اطلاعاً على أمره؟!
و مما يؤكد أن اتهام يزيد بشرب الخمر لا دليل عليه و ليس صحيحاً، أنهم لم يشيرو إلى هذه التهمة خلال الحوادث الآتية:
1 - لما جاء ابن عمر إلى عبد الله بن مطيع حينما نزعو بيعة يزيد قال ابن مطيع: «إطرحو لأبي عبد الرحمان وِسَادَةً». فقال: «إنِّي لم آتِكَ لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله r يقول: مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا حُجَّةَ لَهُ، وَ مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»[4]. و لم يذكر ابن مطيع و الذين معه شيئاً عن شرب الخمر أو ما شابه ذلك، و إلا لبّينو الحق في سبب خروجهم.
2 - أقام علي بن الحسين –زين العابدين– طويلاً عند يزيد، و ذلك بعد مقتل والده و أقاربه في كربلاء، و كان يتناول معه الطعام، و مع ذلك لم نجد رواية واحدة عن علي بن الحسين يتّهم فيها يزيد بشرب الخمر. كما و أنّ علي بن الحسين لم يخرج مع أهل المدينة على يزيد، و هو الذي يعتبر أكثر الناس تأثراً بسياسة الدولة. ثم لا ننسى أنه رجل موتور بقتل والده و أقاربه، فلو أنه عرف أن يزيد يشرب الخمر و يدع الصلاة لكان أوّل المسارعين للخروج على يزيد.
3 - من الدلائل على أن تهمة شرب الخمر التي اتهم فيها يزيد هي من زيادات و إضافات أناس ليس لهم أدنى علاقة أو اطلاع على حالة يزيد، ما ذكر عن محمد بن الحنفية. إذ يروي ابن كثير قال ابن كثير في البداية «لما رجع أهل المدينة من عند يزيد مشى عبد الله بن مطيع[5] و أصحابه إلى محمد بن الحنفية. فأرادوه على خلع يزيد فأبى عليهم، فقال ابن مطيع: إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدّى حكم الكتاب. فقال لهم: ما رأيت منه ما تذكرون، و قد حضرته و أقمت عنده فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة. قالو: فإن ذلك كان منه تصنّعاً لك. فقال: و ما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع[6]؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركائه، و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدو بما لم تعلمو. قالو: إنه عندنا لحق و إن لم يكن رأيناه[7]. فقال لهم أبى اللـه ذلك علـى أهل الشهادة، فقال ]إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ}[8] و لست من أمركم في شيء. قالو: فلعلك تكره أن يتولى الأمر غيرك فنحن نولّيك أمرنا. قال: ما استحل القتال على ما تريدونني عليه تابعاً و لا متبوعاً. فقالو: فقد قاتلت مع أبيك. قال: جيئوني بمثل أبي أقاتل على مثل ما قاتل عليه. فقالو: فمر ابنيك أبا القاسم و القاسم بالقتال معنا. قال: لو أمرتهما قاتلت. قالو: فقم معنا مقاماً نحض الناس فيه على القتال. قال: سبحان الله!! آمر الناس بما لا أفعله و لا أرضاه؟ إذاً ما نصحت لله في عباده. قالو: إذاً نكرهك. قال: إذاً آمر الناس بتقوى الله و لا يرضون المخلوق بسخط الخالق. و خرج إلى مكة»[9].
و لا ننسى أن محمد بن الحنفية أخو الحسين بن علي، و قد فجع بقتل إخوته و أقاربه في كربلاء، ثم أقام عند يزيد وهو أدرى به. فلو شاهد أيّ إشارة على فسق يزيد لكان أول من دل عليها. و مع ذلك فقد دافع عن يزيد و لم يخلع بيعته ليزيد و لم يشارك في معركة الحرة، و لا يمكن أن نتصور أنه سوف يقف إلى جانب يزيد و يدافع عنه إذا كان على علم بأن يزيد يشرب الخمر ويترك الصلاة و لكان أول الخارجين عليه بسبب ما أصاب أقاربه بسببه.
4 - حينما بعث يزيد بن معاوية الصحابي النعمان بن بشير t وسيطاً لأهل المدينة ليثنيهم عن عزمهم في الخروج على يزيد، لم تشر المحاورة التي دارت بين النعمان بن بشير و بين أهل المدينة إلى اتهام يزيد بشرب الخمر[10].
لقد كان الوفد الذي ذهب إلى يزيد رأى أن يزيد قد أخذ البيعة لولده معاوية من بعده و ترك حياة الشورى التي كانت سائدة إبان فترة الخلفاء الراشدين، لذا قررو أن يجعلو حداً لولاية العهد. فأصبح لديهم حنيناً جارفاً و توقاً كبيراً للرجوع بالأمة إلى حياة الشورى. و لقد كان هذا الرأي مشتركاً بين أعضاء الوفد، فلما رجعو إلى المدينة خلعو يزيداً و ولو عليهم ابن مطيع و ابن حنظلة[11]. و هذا هو السبب الحقيقي لثورتهم جميعاً و لثورة إبن الزبير أيضاً.
و ابن عمر t كان يتمنى –قبل وفاته– قتال الفئة الباغية، و حين سئل عن الفئة الباغية قال: «ابن الزبير بغى على بني أمية فأخرجهم من ديارهم و نكث عهدهم»[12]. و كان ابن عمر يُحمِّل ابن الزبير مسؤولية إخراج الأمويين من المدينة. مما يدل على الترابط الوثيق بين الثورتين. و لقد قال ابن حجر في ترجمة مروان بن الحكم: «و لم يزل بالمدينة حتى أخرجهم ابن الزبير منها، و كان ذلك من أسباب وقعة الحرة»[13]. و لا شكّ أن أهل المدينة قد أساءو إلى الأمويين بإخراجهم من المدينة دون سواهم من الناس، ثم بخلع الخليفة يزيد بن معاوية. و الحقيقة أن محاصرة الأمويين من قبل أهل المدينة ذكّرَت أهل الشام بمحاصرة الثوار للخليفة عثمان t في المدينة، فلمّا انهزم أهل المدينة والصبيان قال ابن عمر: «بعثمانَ و ربُّ الكعبة»[14]. و قد ذكرت الروايات أن مسلم بن عقبة إنما عمل كل ما عمل بأهل المدينة عن تديُّن و اعتقاد و ظنٌّ بنفسه أنه على الحق، وأنه يجب مقاتله من خلع يد الطاعة حتى يرجع إلى الجماعة[15].
فحينما نأتي إلى محاولة تحديد الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن معركة الحرة، فإننا سنجد أن كلا الطرفين قد شارك بوقوع تلك المأساة، فمن الصعب اتهام يزيد و تبرئة المدنيين من المسؤولية. فأهل المدينة حينما أقدمو على خلع يزيد و إخراج بني أمية من المدينة بغير حقّ، عارضهم في ذلك كبار الصحابة و التابعين و أهل الفضل. فابن عمر t كان واضحاً حيال أبنائه و حشمه، حيث جمعهم و حذرهم من نكث بيعة يزيد. أما أهل بيت النبوة فقد لزمو الطاعة و لم يخرجو مع أهل المدينة ضد يزيد[16]قال أبو جعفر الباقر: «لم يخرج أحد من آل أبى طالب و لا من بني عبد المطلب أيام الحرة». و لمّا قدِم مسلم بن عقبة المدينة، أكرمه و أدنى مجلسه و أعطاه كتاب أمان[17].
و هذه زينب بنت أبي سلمة (ربيبة رسول الله r) ترى في قتل أحد ولديها بعد ما قاتل أهل الشام على أنه يُخشى عليه من سوء الخاتمة. فهي بذلك لا ترى في خروج أهل المدينة و قتالهم أيّ صفة شرعية[18]. و لقد استدللنا بكلام زينب t، على خطأ أهل المدينة في خلعهم ليد الطاعة و البيعة ليزيد، لأنها من أفقه نساء المدينة في عصرها[19]. كذلك لم يشترك في الفتنة أحد من الصحابة و لا وافقو على الخروج[20]. حتى أن العصامي قال: «و لم يوافق أهل المدينة على هذا الخلع[21] أحد من أصحاب رسول الله r»[22].
و هذا ما تثبته النصوص الصحيحة القطعية: فعن ابن عمر t عن النبي r قال: «مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ فَلا حُجَّةَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ مَنْ مَاتَ مُفَارِقًا لِلْجَمَاعَةِ فَقَدْ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»[23]. و عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: « الصَّلاةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى الصَّلاةِ الَّتِي بَعْدَهَا كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا. وَ الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَ الشَّهْرُ إِلَى الشَّهْرِ يَعْنِي رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، إِلا مِنْ ثَلاثٍ، –قال: فعرفت إن ذلك الأمر حدث– إِلا مِنْ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ، وَ نَكْثِ الصَّفْقَةِ، وَ تَرْكِ السُّنَّةِ. قال: أَمَّا نَكْثُ الصَّفْقَةِ أَنْ تُبَايِعَ رَجُلاً ثُمَّ تُخَالِفَ إِلَيْهِ، تُقَاتِلُهُ بِسَيْفِكَ. وَ أَمَّا تَرْكُ السُّنَّةِ فَالْخُرُوجُ مِنْ الْجَمَاعَةِ»[24].
و عن أبي ذر قال: قال رسول الله r: «كيف أنت يا أبا ذر و موتاً يصيب الناس حتى يقوم البيت بالوصيف[25]؟». قلت: «ما خار الله لي و رسوله»، أو قال: الله و رسوله أعلم[26]. قال: «تصبر». قال: «كيف أنت و جوعاً يصيب الناس حتى تأتي مسجدك فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك و لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟». قال: الله أعلم، أو: «ما خار الله لي و رسوله»، قال: «عليك بالعفة». ثم قال: «كيف أنت و قتلاً يصيب الناس حتى تُعْرَقَ حجارة الزيت بالدم؟». قلت: «ما خار الله لي و رسوله»، قال: «إلحق بمن أنت منه». قال: قلت «يا رسول الله. أفلا آخذ بسيفي فأضرب به من فعل ذلك؟». قال: «شاركت القوم إذاً! و لكن ادخل بيتك». قلت: «يا رسول الله، فإن دُخل بيتي؟». قال: «إن خشيت أن يبهرك شعاع السيف فألق رداءك على وجهك، فيبوء بإثمه و إثمك، فيكون من أصحاب النار»[27].
و مع ذلك فإن أهل المدينة خرجو متأولين، مريدين إعادة نظام الشورى، و لم يكن خروجهم لغرض دنيوي. و حتى لو كانو آثمين بخروجهم فقد جاء الخبر الصحيح بأن ذلك الإثم مغفورٌ لهم، لقوله r: «اللهم اغفر للأنصار و لأبناء الأنصار و أبناء أبناء الأنصار»[28].

موقعة الحَرَّة

أخرج ابن عساكر في تاريخه: لما احتضر معاوية دعا يزيد فقال له: إن لك من أهل المدينة يوماً. فإن فعلو فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته. فلما ولي يزيد وفد عليه عبد الله بن حنظلة و جماعة فأكرمهم و أجازهم، فرجع فحرَّض الناس على يزيد و عابه و دعاهم إلى خلع يزيد. فأجابوه فبلغ يزيد فجهز إليهم مسلم بن عقبة فاستقبلهم أهل المدينة بجموع كثيرة. فهابهم أهل الشام و كرهو قتالهم. فلما نشب القتال سمعو في جوف المدينة التكبير، و ذلك أن بني حارثة أدخلو قوماً من الشاميين من جانب الخندق. فترك أهل المدينة القتال و دخلو المدينة خوفاً على أهلهم. فكانت الهزيمة و قتل من قتل. و بايع مسلم الناس على أنهم خوَّل ليزيد يحكم في دمائهم و أموالهم و أهلهم بما شاء»[29]. و ذلك سنة 63هـ[30].
روى المدائنى أن مسلم بن عقبة بعث روح بن زنباع إلى يزيد ببشارة الحرة فلما أخبره بما وقع قال «واقوماه». ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري فقال له: «ترى ما لقي أهل المدينة فما الذي يجبرهم»؟ قال: «الطعام و الأعطية». فأمر بحمل الطعام إليهم و أفاض عليهم أعطيته[31]. و قد أوصاه أباه معاوية t قبل موته بأهل الحجاز فقال: «اعرف شرف أهل المدينة و مكة فإنّهم أصلك و عشيرتك».
و لا صحة للروايات الشيعية بأنه فرح لما حدث كما أثبت المحققون من مؤرخي السنة[32]. و كذلك الرواية الشيعية في إباحة المدينة للجيش الشامي ثلاثة أيام يفعل فيها ما يشاء بطلب من يزيد بن معاوية. فهذا من الكذب الظاهر الذي لم يثبت[33]. و لو قارنا الرواية الشيعية على لسان أبي مخنف الكذاب، و بين الروايات السنية التي جاءت عن رواة ثقاة مثل: عوانة بن الحكم (ت147هـ) و وهب بن جرير (ت206هـ)، لوجدنا تناقضاً واضحاً، حيث لم يرد في رواياتهما ما يشير إلى الاستباحة.
بل إن الرواية الشيعية نفسها غير معقولة أصلاً. فهي تذكر أن يزيد أوصى الجيش باستباحة المدينة ثلاثة أيام بلياليها يعيثون بها، يقتلون الرجال و يأخذون المال و المتاع، و أنهم سبو الذرية و انتهكو الأعراض حتى قيل إن الرجل إذا زوج ابنته لا يضمن بكارتها و يقول لعلها افتـُضَّت في الوقعة. و أن عدد القتلى بلغ سبعمئة رجل من قريش و الأنصار و مهاجرة العرب و وجوه الناس، و عشرة آلاف من سائر القوم. و قد أنكر شيخ الإسلام ذلك[34]. و هل يعقل حدوث ذلك كله في عصر التابعين و الصحابة دون أن نجد أي ذكر لذلك في الروايات السنية؟ فعلى الباحث ألا يتسرع في الأخذ برواية هذا الكذاب، خاصة إذا كانت تتعرض لأحداث وقعت في عهد الدولة الأموية و عهد يزيد بالذات، و هو المكروه من قبل عامة الشيعة فما بالك إذا كان هو الراوي الوحيد للحادثة؟
و هناك رواية أخرى عند الطبري عن وهب بن جرير حيث أشار فيها إلى إكرام وفادة يزيد لوفد أهل المدينة عند تواجدهم في دمشق، كما أنه لم يتطرق بالذكر لتوجيه يزيد لقائده مسلم بإباحة المدينة ثلاثة أيام، و إنما قال: فانهزم الناس فكان من أصيب في الخندق أكثر ممن قتل من الناس، فدخلو المدينة و هزم الناس، فدخل مسلم بن عقبة المدينة فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم و أموالهم ما شاء. و هناك رواية ثالثة ذكرها الطبري تختلف عن رواية أبي مخنف و هي لعوانة بن الحكم، و تؤكد أن مسلم بن عقبة دعا الناس بقباء إلى البيعة – أي بيعة يزيد– ففعلو و قتل مسلم المعارضين و المشاغبين منهم فقط[35]! إذاً رواية وهب بن جرير و عوانة بن الحكم لم تذكر شيئاً عن أمر يزيد لسلم بإباحتها ثلاثاً، إذاً أمر إباحة المدينة ثلاثة أيام قصة مشكوك في وقوعها، و لم يرد شيء على الإطلاق في هذا الصدد عن سبي الذراري و هتك الأعراض.
فحادثة إباحة المدينة و قتل الصحابة فيها بتلك الصورة لم يكن و لم يحدث. و لكن قد حدثت معركة حتماً و قتل البعض. كما أسفرت هذه الوقعة عن فقدان كثير من الأشياء المادية والعلمية و حرقها[36]. و ثبت أن أهل الشام، قد أخذو بعض الأشياء التي تخص أهل المدينة، لكن ليست بالصورة التي صورتها الروايات الضعيفة من الاستباحة و القتل و هتك الأعراض و غيرها من الأمور المنكرة[37].

خروج عبد الله بن الزبير

كان ابن الزبير t رافضاً و متصلباً في رأيه بشأن بيعة يزيد بن معاوية أيام أبيه معاوية t. و بعد بعد وفاة معاوية، خرج ابن الزبير و الحسين بن علي من المدينة وتوجها إلى مكة، و قد حاول الوليد بن عتبة والي المدينة إرجاع ابن الزبير والحسين بن علي إلى المدينة، فبعث في أثرهما ركباً، لكنهم فشلو في مهمتهم و لم يعثرو عليهم[38].
و في الطريق إلى مكة قابل ابن الزبير والحسين ابن عمر وعبد الله بن عياش بالأبواء، و هما قادمان من العمرة فقال لهما ابن عمر: «أذكِّرَكما الله إلا رجعتما، فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، و تنظران فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا، و إن تفرقو كان الذي تريدان»[39]. و قد كان ابن عمر t يحرص أشد الحرص على اجتماع المسلمين، و يخشى من التفرق و التحزب. و كان يدرك ما سيؤول إليه الموقف فيما بعد. و من المؤكد أن ابن الزبير والحسين عندما خرجا إلى مكة قد أخذا في اعتبارهما قداسة الحرم و بيت الله و إجلال المسلمين له، مما يهيئ لهما جواً من الأمن والطمأنينة، فلا يتمكن يزيد من إكراههم على بيعته، و لكي يؤكد ابن الزبير على خاصية الحرم وعلى التجائه لبيت الله، فقد لقب نفسه بالعائذ[40].
و بعد أن خرج الحسين و حدث ما حدث في كربلاء، قام ابن الزبير خطيباً في مكة و ترحَّم على الحسين و ذم قاتليه، فكان هذا أول هجوم من ابن الزبير t على يزيد[41]. فد أبدى البعض استعداده لبيعة ابن الزبير متأثرين بالجو العاطفي[42]. فأخذ ابن الزبير يدعو إلى الشورى و ينال من يزيد و يشتمه[43]. و قد حاول يزيد بن معاوية أن يكسب ابن الزبير و أن لا يعمل عملاً يعقّد النزاع معه، فأرسل له رسالة يذكره فيها بفضائله –أي فضائل ابن الزبير– و مآثره في الإسلام، و يحذره من الفتنة و السعي فيها[44]. غير أن تعنُّتَ ابن الزبير t أدَّى إلى تفاقم الأمر أكثر[45]، فغضب يزيد و طلبه مغلولاً[46]، فاستشار أمَّه أسماء بنت أبي بكر t فأشارت عليه بالرفض فامتنع[47].
و إذا رجعنا إلى معارضة أهل المدينة، و إخراجهم لبني أمية من المدينة، نجد أن معارضتهم أعظم من أن يقوم يزيد باحتوائها. و لا شكَّ أنَّ هذا العمل الذي أقدم عليه أهل المدينة يمثل سابقة خطيرة تهدِّد مستقبل الدولة و كيان الأمة بأسرها، فمن الصعوبة أن يترك يزيد هذه المعارضة الصريحة البيِّنة، و هذا الانفصال عن الدولة، دون أن يتخذ عملاً حاسماً يعيد للدولة قدرتها و وحدتها، فأرسل جيشاً لحسم الموضوع. و بعد أن حدث ما حدث من معركة الحرة مع أهل المدينة، توجه قائد الجيش الشامي مسلم بن عقبة إلى مكة قاصداً ابن الزبير، غير أنه مات في الطريق، فتولى قيادة الجيش الحصين بن نمير السكوني، فقام ابن الزبير في الناس يحثهم على قتال جيش الشام، و قد انضم إليه المنهزمون من معركة الحرة[48]. و دار بينهم القتال المعروف و الذي كان بسببه حريق الكعبة[49].
و كاد إبن الزبير أن ينهزم و تنتهي الفتنة لولا وفاة يزيد، مما أدى لانسحاب الجيش الشامي. و استلم بعد يزيدٍ، إبنه معاوية الثاني، و كان رجلاً شديد الورع و التقى. نادى في الناس الصلاة جامعة ذات يوم، فاجتمع الناس، فقال لهم فيما قال: «يا أيها الناس إنّي قد ولّيت أمركم، و أنا ضعيف عنه. فإن أحببتم تركتها لرجلٍ قويٍّ كما تركها الصّدّيق لعمر. و إن شئتم تركتها شورى في ستّةٍ منكم كما تركها عمر بن الخطاب. و ليس فيكم من هو صالح لذلك. و قد تركت لكم أمركم فولُّو عليكم من يصلح لكم». ثم نزل و دخل منزله فلم يخرج منه حتى مات رحمه الله تعالى.
فلما توفي من غير عهد منه إلى أحد، تغلّب إلى الحجاز عبد الله بن الزبير، ثم دعا إلى الخلافة لنفسه، و بعث إلى ابن عمر و ابن الحنفية و ابن عباس ليبايعو، فأبو عليه. و بويع في رجب بعد أن أقام الناس نحو ثلاثة أشهر بلا إمام. ثم أخذ يتوسّع حتى ضمّ إليه بلاد المسلمين كلها إلا دمشق و جزءاً من الأردن[50]. و بايعه في أول الأمر رؤوس الخوارج[51]، و كذلك بايعه أحد الباطنية الكذابين و هو المُختار الثقفي، الذي صار واليه على العراق. لكنّ المختار ادّعى أنه يَنزِلُ عليه الوحي، فاضطرَّ عبد الله بن الزبير لإرسال أخيه مُصعب لقتاله بعد ذلك الكفر الصريح. و هذا مما أضعف شوكته في العراق. و ثار عليه الخوارج فقمعهم، و قاتل المُختار الدَّجال في العراق فقتله حتى كاد يستبدّ له الأمر كليّةً.
و أخرج بنو أمية من المدينة إلى الشام، و هذا من سوء تخطيطه رحمه الله. فاجتمعو إلى مروان بن الحكم بعد موت معاوية بن يزيد، و قد كان معاوية بن يزيد قد عزم على أن يبايع لابن الزبير بدمشق. و كذلك كان مروان ينوي ذلك لولا أن أقنعه بعض الفجّار[52] أن لا يبايع، و ليته فعل. فخرج من دمشق إلى الأردن ليجمع أنصاره، فاجتمع معه ثلاثة عشر ألفاً. أما الضّحّاك –والي إبن الزبير– فخرج من دمشق في ثلاثين ألفاً. و التقى الجمعان في مرج راهط، فانتصر مروان بعد معركة حامية الوطيس رغم تفوق الضحاك العددي، إلا أن العصبية القوية و التكتيك العسكري كانا العنصر الحاسم. و دعى للخلافة فبايعه أهل دمشق، ثم توسع من دمشق فضمّ أرجاء بلاد الشام، ثم أرسله أخاه عبد العزيز –والد الخليفة الراشد عمر– فأخذ مصر. و لم تدم خلافته ستة أشهر حتى توفي.
ثم تابع بعده إبنه عبد الملك، فانتزع العراق ثم توجه جيشه إلى مكة بقيادة الحجّاج فحاصرها و دخلها و استشهد عبد الله بن الزبير t، فلا حول و لا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

تحليلات حول خروج ابن الزبير

و حينما نحاول أن نقوّم حركة ابن الزبير، و مدى تأثيرها على المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، فإننا نجد أن نتيجة الحرب التي دارت بين الحصين و ابن الزبير، لم تصل إلى نتيجة واضحة بسبب وفاة يزيد بن معاوية و انسحاب جيش الشام. و لا يمكن دراسة معارضة ابن الزبير من حيث الشعارات التي رفعت فيها، لأنه مهما كانت مصداقية المعارضة و وضوحها فإن ذلك لا يجعلنا نغفل عن مواقف أولئك الذين عاصرو هذه المعارضة، فهم الشاهد الرئيسي على هذه المعارضة، كذلك هم بمثابة القضاة في الحكم على حركة ابن الزبير.
1 - موقف ابن عمر: لم يكن ابن عمر t –و هو أفضل و أفقه أهل زمانه– راضياً عن معارضة ابن الزبير لخلافة يزيد. حيث إن يزيد بن معاوية –في نظره– يمثِّل الخليفة الشرعيّ للمسلمين، و أنه قد أعطى البيعة، و لذا لا يجوّز الخروج عليه. و قد كان t يعْلم نتائج معارضة ابن الزبير، حيث سيكون هناك حربٌ و قتالٌ بين المسلمين، و يُقتل الناس و تبتلى الأمة، و تُعَطّل الثغور و يتوقف الجهاد في سبيل الله، إلى غير ذلك من المفاسد التي يعتقد ابن عمر أنها ستحدث لا محالة إذا استمر ابن الزبير في معارضته.
و لكي يصرف ابن عمر الناس عن مناصرة ابن الزبير فقد قال بأن قتال ابن الزبير إنما هو لأجل الدنيا –و سيأتي تفسير هذا الكلام–[53]، و أخذ يخبر الناس و يحذرهم أن قتالهم و مناصرتهم لابن الزبير إنما هو قتال على الملك فقط[54]. و كان ينظر لابن الزبير و من معه على أنهم بغاة، و تمنى مقاتلتهم لبغيهم على بني أمية[55]. و لم يكتف ابن عمر بذلك، بل كان دائم المناصحة لابن الزبير و يحذِّره من عواقب الفتن، و كان يعرّفه بأن نهاية هذه المعارضة ستكون بائسة له[56].
2 - موقف ابن عباس: كان ابن عباس t –و هو فقيه عالمٌ مفسّرٌ للقرآن– من أشد المعارضين لموقف ابن الزبير، فلم يُنقل عنه أنه كان راضياً عن ابن الزبير أو أنه تعاطف مع معارضته، بل إنه لم يبايعه بعد وفاة يزيد بن معاوية. و كان يصرِّح بأنه إذا كان تحت حكم بني أمية خيرٌ له من حكم ابن الزبير[57]. ولم يكن راضياً عن شخص ابن الزبير، و يفضِّل عليه معاوية بن أبي سفيان[58]. وكان –رضي الله عنه– على خلاف مع ابن الزبير في كثير من الأمور[59]. بل و يحمله جزءاً من المسؤولية عن إحلال القتال ببيت الله[60].
3 - موقف أبي برزة الأسلمي و جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنهما: كان الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي يرى أن ابن الزبير إنما يقاتل لأجل الدنيا[61]. و كذلك جندب بن عبد الله يرى أن قتال ابن الزبير إنما هو لأجل الملك[62]. و قولهم جميعاً بأن قتاله من أجل الدنيا إنما كان بسبب النظرة إلى الفتن التي تجري بين المسلمين في ذلك الحين، و يهدفون إلى تحذير كل من يلتحق، أو ينوي لانضمام لأي من الطائفتين.
و لكن ابن الزبير رضي الله عنه لما جعل مكة معقلاً له وأعلن معارضته ليزيد بن معاوية تأكد لدى كثير من الصحابة أن مكة ستكون مسرحاً للقتال بين يزيد و ابن الزبير، لذا فقد حذر عبد الله بن عمرو بن العاص ابنَ الزبير قائلاً: «يا ابن الزبير: إياك والإلحاد في حرم الله، فإني أشهد لسمعت رسول الله r يقول: يًحِلَُها و يَحلّ به رجُلٌ من قريش، لو وُزِنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها». قال –أي ابن الزبير–: «فانظره أن لا تكون هو يا ابن عمرو، فإنك قرأت الكتب و صحبت الرسول r». قال –أي عبد الله بن عمرو–: «فإني أُشهِدكَ إنّ هذا وجهي إلى الشام مجاهداً»[63]. و كان عثمان t يعرِفُ هذا الحديث، و لهذا رفض الذهاب إلى مكة لمّا حُصِرَ في المدينة[64]. و كان أحد الأسباب التي جعلت الحسين بن علي t يخرج من مكة إلى الكوفة هو خوفه من تعريض مكة للحرب و حَرَمِها للاستحلال كما مرَّ معنا.
أما لماذا استمر ابن الزبير t و أصرَّ على البقاء بمكة، حتى حدث القتال بها رغم كل تلك النصوص الصريحة، فإنه –رضي الله عنه– كان يظن أنّ الأمويين لا يمكن أن يخاطرو بغزوه في مكة حيث سيكون لذلك أثرٌ إيجابي لصالحه. و لقد كانت هناك أمكنة مهيأة للحرب و المجالدة تتفوق على طبيعة مكة، مثل باقي بلاد الحجاز و اليمن. و لو قُدِّرَ لابن الزبير أن يعارض يزيد أو الذين جاؤو من بعده في اليمن مثلاً، لربما تغير الحال، و كان من الصعوبة أن يحقق جيشٌ يهاجمه أيّ كسبٍ عسكري.
و مراد الصحابة t و الذين نقلنا عنهم رأيهم في قتال ابن الزبير و أنه كان من أجل الدنيا، هو تثبيط الناس عن الاشتراك معه، و معرفتهم بأن النتائج التي ستترتب على أي قتال يحدث هي أعظم من المنفعة المرجوة بعده. فهذا ابن عمر يترحم على ابن الزبير بعد أن قتله الحَجّاج و يقول: «لقد كنت صوّاماً قوّاماً تصِل الرّحم». و يقول أيضاً: «رحمك الله، لقد سَعِدَتْ أمة أنت شرَّها»[65].
و بالرغم من القتال الذي دار بسببه، إلا أن القتل الذي أصاب إخوته وأصحابه وأصابه هو نفسه، فإنه مكفِّرٌ بإذن الله عما اقترف من الذنب، و لذا قال ابن عمر مخاطباً ابن الزبير و هو مصلوب: «أما و الله إني لأرجو مع مساوئ ما قد عملت من الذنوب ألا يعذبك الله»[66]. ثم قال: حدثني أبو بكر الصديق أن رسول الله r قال: «من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا»[67].
ثم إن بعض الذين قامو مع ابن الزبير t هم من الصحابة الأجلاء، فمعاذ الله أنهم قامو و قاتلو و قتِلو من أجل الدنيا. بل لقد كان مقصدهم –رضي الله عنهم– هو تغيير الواقع بالسيف، لمّا رأو تحول الخلافة إلى وراثة و ملك. و لقد كان ابن الزبير t يهدف من وراء المعارضة أن تعود الأمة إلى حياة الشورى، و يتولى الأمة أفضلها و كان يخشى من تحول الخلافة إلى ملك. و كان يرى –رضي الله عنه– أنه باستعماله للسيف و تغييره للمنكر بالقوة يتقرب إلى الله و يضع حداً لانتقال الخلافة إلى ملك و وراثة، و لهذا لم يدعو لنفسه حتى توفي يزيد بن معاوية[68]. فهو –و إن أخطأ– فإنه مجتهد مأجور بلا أدنى شك. لا يرتاب بذلك إلا جاهلٌ أو صاحبُ هوى.
و مع ذلك فإن التمسك بنصوص الكتاب و السنة بلزوم الجماعة، و التي تحذر من شق عصا الطاعة، هو أولى من الذي أقدم عليه ابن الزبير و أهل المدينة. فكم من دم أريق و امرأة ترمَّلت و طفلٍ تيتَّم، ومالٍ نُهِب و أضيع، و غير ذلك من المفاسد الكبيرة التي ربما لا يحصيها قلم، و لا يسعها كتاب. أوَ لم يكن أولى من كل ذلك، أن تُوجَّه هذه الجهود الهائلة إلى قتال أعداء الله؟ و إلى تحرير أولئك الذين يرضخون تحت نَيْرِ الكفر و أعراف الجاهلية؟
و بما أن كل طرف يقاتل و يرى أنه على حق، فلهذا سمى السلف معارضة ابن الزبير فتنة[69]. و ذلك لأنه قتال بين المسلمين لا نفع من وراءه و لا خير. فالكل يقاتل عن تأويل، و مع ذلك نقول كما قال الذهبي: «فليته –أي ابن الزبير– كفَّ عن القتال لمّا رأى الغلبة، بل ليته لا التجأ إلى البيت. نعوذ بالله من الفتنة الصَّـمَّـاء»[70].
و ليتهم اتبعو طريقة ابن عمر وغيره من الصحابة والتابعين الذين اعتزلو الفتن التي جرت بين المسلمين. و ما أجمل قول ابن عمر حين قال: «إنما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانو يسيرون على جادّةٍ يعرفونها. فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة و ظلمة، فأخذ بعضنا يميناً و بعضنا شمالاً، فأخطأنا الطريق، و أقمنا حيث أدركنا ذلك، حتى تجلَّى لنا ذلك، و أبصرنا الطريق الأول، فعرفناه فأخذنا فيه. إنَّما هؤلاء فتيان قريش يتقاتلون على هذا السلطان، و على هذه الدنيا. و الله ما أبالي ألا يكون لي ما يَـقتل فيه بعضهم بعضاً بنعلي»[71].
و لعلّها من عجائب التاريخ فعلاً أن يُنازع رجلٌ لا يملك إلا مدينة دمشق، دولةً شاسعةً من أقصى خُراسان إلى غرب مصر، فيغلبها و يستولي عليها في زمنٍ قياسي! و هذا راجع كلّه إلى بحثنا حول العصبية. فإن عبد الملك بن مروان و أباه كانت معهما عصبية بني أميّة القوية التي كادت تكون مضرب مثلٍ عند العرب، فكان الانتصار الساحق الذي حققه الأمويون في مرج راهط جنوب دمشق مثالاً على ذلك، إذ غلبو جيشاً يفوقهم أضعافاً كان جنوده عبدة الدرهم و الدينار. و من خلف بني أمية عصبية أهل الشام التي لم يكن لها مثيل في بلاد المسلمين آنذاك. أما عبد الله بن الزبير فكان من بني أسد الذين لم تكن لهم شوكة و لا عصبية، بل لم يكن بنو أسد يمكنهم أن يغلبو بني عبد مناف في جاهلية و لا إسلام.
و غلط إبن الزبير t في حساب العصبية أعظم و أكبر من خطأ الحسين t لمّا خرج إلى العراق. إذ لم يكن عبد الملك بن مروان –و هو من أعدل الناس– ظالماً أو فاسقاً، و إلا لما بايعه إبن عمر دون إبن الزبير. أمّا أباه مروان فقد ثبتت له رؤية النبي r و إن لم يثبت سماعه للحديث منه. و أما عبد الملك فهو عالمٌ من الطبقة الأولى من التابعين، و قد احتجّ الإمام مالك بفعله بالمُوَطَّأ، و ناهيك بالإمام مالك بالرجال. هذا و إن كان عبد الله بن الزبير أتقى و أعلى مرتبةً (بل لا مجال للمقارنة بين صحابي و تابعي)، فإنه لم يَكـُن ضَليعاً بسياسة المُلك و لا كان عنده من حسن التدبير ما كان لعبد الملك. فلم تنفعه الأموال السَّخيَّة التي كان أخاه مِصْعَب يُغدِقَها على أتباعه في العراق، و لم تنفعه شجاعته و بأسه، و لا كثرة جيوشه الجرارة. و لا كان معه عُصْبَةُ يحمونه و يدفعون عنه، رغم اتساع رقعة ملكه و استيلائه على الغالبية العظمى من بلاد المسلمين. لم ينفعه ذلك كله بدون العصبية فهلك و أهلك من معه، و الله لا يظلم مثقال ذرة.



[1]  البداية والنهاية (8/217).
[2]  تاريخ خليفة (ص236) بسند صحيح. والطبري (5/495) بإسناد صحيح.
[3]  الطبري (5/480)، و المسعودي في مروج الذهب (3/78)، و السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص309).
[4]  صحيح مسلم (برقم 1851 أو 3441) باب الإمارة. إنظر أيضاً البخاري مع الفتح (13/74).
[5]  كان داعية لابن الزبير.
[6]  قلت و على فرض أنه فعل ذلك تصنّعاً فكيف عرفو هم به؟ أليسو هم أولى بأن يتصنّع لهم؟ و كيف عرفو هم بأمر (و لم يزوروه إلا أياماً معدودةً) لم يعرفه من عاشره لفترة طويلة في الشام؟!
[7]  و هذا اعتراف صريح أنهم لم يشاهدو منه ذلك.
[8]  (الزخرف: من الآية86).
[9]  البداية والنهاية (8\236). و تاريخ الإسلام – حوادث سنة 61-80هـ– (ص274) بسند حسن.
[10]  الطبري (5/481).
[11]  البداية والنهاية (8/235).
[12]  الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة 61-80هـ) (ص465). و ذكر ابن عساكر في تاريخه (31/193): عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر، إذ جاءه رجل من أهل العراق فقال له: «يا أبا عبد الرحمن. إني و الله لو حرصت على أن أسمت سمتك و أقتدي بك في أمر فرقة الناس، فأعتزل الشر ما استطعت، و إني أقرأ آية من كتاب الله محكمة فقد أخذت بقلبي، فأخبرني عنها. أرأيت قول الله عز وجل { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلو .. الآية } اخبرني عن هذه الآية». ، فقال له عبد الله بن عمر: «ما لك و لذلك؟ إنصرف عني». فقام الرجل و انطلق حتى توارى منا سواده. فأقبل علينا عبد الله بن عمر فقال: «ما وجدت في نفسي شيء من أمر هذه الآية ما وجدت في نفسي، من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله». فقال حمزة: فقلنا له: «و من ترى الفئة الباغية؟». قال ابن عمر: «ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم فأخرجهم من ديارهم و نكث عهدهم».
[13]  الإصابة (6/258). و لقد حمل البلاذري في أنساب الأشراف (4/327) وابن قتيبة في المعارف (ص351) عبد الله بن الزبير المسؤولية عن إخراج بني أمية من المدينة.
[14]  المنتظم لابن الجوزي (6/16).
[15]  ابن سعد في الطبقات، الطبقة الخامسة (ص474) و البلاذري (4/331)، و الطبري (5/497) بسند حسن.
[16]  ابن سعد (5/215). إنظر أيضاً صحيح البخاري مع الفتح (6/136)، و صحيح مسلم برقم (4770).
[17]  البداية و النهاية.
[18]  تاريخ خليفة (ص 236) بسند صحيح، و البيهقي (6/474) بإسناد صحيح.
[19]  الإصابة (7/676).
[20]  و إذا أردنا الدقة فقد ثبت أنه كان فيهم واحد من صغار الصحابة و هو معقل بن سنان الأشجعي، له صحبة و سماع. و المقصود من مقولة العصامي أي لم يوافق هذا الصحابي أحدٌ من باقي الصحابة خاصة فقهائهم و كبارهم.
و هناك عدد ممن لهم رؤية لكن لا تصح لهم صحبة، بمعنى أنهم ولدو على عهد النبي r لكن كانوا أطفالاً غير واعين، فلم تحصل لهم صحبة. منهم: عبد الله بن حنظلة الغسيل، حفيد عبد الله بن أبي سلول، له رؤية و لا يصح له سماع. قال إبن عبد البر: «أحاديثه عندي مرسلة». و منهم عبد الله بن مطيع العدوي، له رؤية و لا يصح له سماع و لا صحبة.
[21]  أي خلع يزيد.
[22]  سمط النجوم العوالي (3/91). قلت اللهم إلا عبد الله بن الزبير كما هو واضح.
[23]  مسلم بشرح النووي (12/233-234). أيضاً المسند برقم (5130).
[24]  المسند (12/98) بسند صحيح. و رقمه (6832).
[25]  يعني القبر.
[26]  هذه المقولة كان يقولها الصحابة في حياة رسول الله r. فلمّا مات صارو يقولون «الله أعلم» فقط. فدل على أن زيادة و رسوله لا تجوز بعد وفاته.
[27]  صحيح سنن ابن ماجة (2/355) و أبو داود (4/458-459) و سنن ابن ماجة (2/1308).
[28]  البخاري مع الفتح (8/518). و أخرجه مسلم برقم (6363). و الترمذي (5/713). و قد استشهد به أنس بن مالك في في من أصيب يوم الحرّة.
[29]  تاريخ دمشق (58/104-105).
[30]  المعرفة و التاريخ (3/426).
[31]  البداية و النهاية (8/233-234).
[32]  سؤال في يزيد لابن تيمية(ص16)، و البداية و النهاية (8/224).
[33]  إنظر: كتاب يزيد بن معاوية – حياته و عصره – للدكتور عمر سليمان العقيلي، (ص68-69) مع هامش رقم (94) و (103)، و كتاب صورة يزيد بن معاوية في الروايات الأدبية فريال بنت عبد الله (ص77-83) حيث ناقشت الموضوع بأسلوب علمي و ظهرت بنتيجة واحدة وهي عدم ثبوت صحة واقعة الاستباحة للمدينة.
[34]  انظر: منهاج السنة (4/575-576).
[35]  الطبري ( 5/495).
[36]  إنظر: التهذيب (7/180)، و البخاري مع الفتح (5/370-371)، و صحيح مسلم برقم (4077)، و أثر في مسند أحمد (3/376)، و أورده الحافظ في الفتح (5/373).
[37]  إنظر: مواقف المعارضة في خلافة يزيد لمحمد الشيباني (ص347-356).
[38]  البلاذري أنساب الأشراف (4/300).
[39]  ابن سعد في الطبقة الخامسة (ص 370) والطبري (5/343).
[40]  البلاذري (4/301) والبداية والنهاية (9/151).
[41]  أنساب الأشراف (4/304) و الطبري (5/475) من طريق أبي مخنف (أي أسناده ضعيف).
[42]  البلاذري (4/304).
[43]  الأزرقي أخبار مكة (1/201).
[44]  البلاذري (4/303-304) عن المدائني.
[45]  البلاذري (4/304) و الفاكهي في أخبار مكة (2/351) بإسناد حسن.
[46]  الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (1/416) بسند صحيح. و تاريخ خليفة (ص 251) بإسناد حسن.
[47]  البلاذري ( 4/308)، و الآزرقي في أخبار مكة (1/201) بسند رجاله ثقات.
[48]  البلاذري (4/338).
[49]  قيل إنما احترقت لأن أهل المسجد جعلوا يوقدون النار و هم حول الكعبة فعلقت النار فى بعض أستار الكعبة فسرت إلى أخشابها و سقوفها فاحترقت. و قيل إنما احترقت لأن ابن الزبير سمع التكبير على بعض جبال مكة في ليلة ظلماء فظن أنهم أهل الشام، فرفعت نار على رمح لينظرو من هؤلاء الذين على الجبل، فأطارت الريح شررة من رأس الرمح إلى ما بين الركن اليمانى و الأسود من الكعبة، فعلقت فى أستارها و أخشابها فاحترقت و اسودَّ الرُّكن و انصدع في ثلاثة أمكنةٍ منه. إنظر تفصيل ذلك في البداية و النهاية.
[50]  خضعت له حمص و قنسرين و فلسطين. بل كادت دمشق نفسها تخضع له لو أحسن التدبير، أو لو كانت له شوكة تحميه.
[51]  بايعه الخوارج لأنهم أرادو فرصة لإحداث فتنة و سفك دماء المسلمين. فلمّا ظنو أن الأمر سيستتب له خرجو عليه و قاتلوه.
[52]  و هم قتلة الحسين لعنهم الله، لأنهم خافو أنه إذا استقرت أمور المسلمين أن ينالهم القصاص. فتأمّل مشابهتم لقتلة عثمان الذين أثارو الفتنة حتى لا ينالهم القصاص. و لكن هيهات. فقد نالهم القصاص في الدنيا و الموعد عند ربّ العالمين.
[53]  مصنف ابن أبي شيبة (15/80) بسند صحيح، وابن سعد في الطبقة الخامسة (ص472) بسند صحيح.
[54]  البخاري مع الفتح (8/32)، والمسند (8/57).
[55]  الذهبي في تاريخ الإسلام (ص 465).
[56]  مسلم بشرح النووي (16/98)، و ابن سعد الطبقة الخامسة (ص 517-518) والحاكم (3/553) بأسانيد صحيحة.
[57]  البخاري مع الفتح (8/177 ).
[58]  مصنف عبد الرزاق (برقم 20985) بسند صحيح، و الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (1/378) بسند صحيح، و الطبري (5/337) بسند حسن، و الطبراني في الكبير (5/337) بسند صحيح.
[59]  المسند (4/23) و (5/26) و (6/344).
[60]  البخاري مع الفتح (8/177).
[61]  البخاري مع الفتح (13/74).
[62]  المسند (4/63) و (5/367، 373، 375- 376 ) بسند صحيح.
[63]  المسند (12/9) بسند صحيح، وابن أبي شيبة في المصنف (11/139) و (15/284) مع بعض الاختلاف.
[64]  المسند (1/369) و أيضاً (1/67).
[65]  مسلم بشرح النووي (16/99).
[66]  الحاكم في المستدرك (3/552).
[67]  المسند (1/181-183) بسند حسن بمجموع شواهده انظر: السلسلة الضعيفة (3/686-687).
[68]  ابن سعد في الطبقات (5/147) و البخاري في التاريخ الكبير (2/132) بإسناد حسن، والبلاذري (4/57) بإسناد صحيح.
[69]  انظر: الموطأ (1/360) و البخاري مع الفتح (7/521) و (8/32) والبخاري في التاريخ الكبير (1/93) و مسلم في صحيحه (2/903) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/411) و ابن عساكر في تاريخ دمشق، ترجمة عبدالله بن الزبير (ص454)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (6/23).
[70]  السير (3/377-378).
[71]  ابن سعد في الطبقات (4/171) وأبو نعيم في الحلية (1/310).